رؤيا غيث تكتب: واحد مننا بقلم دكتورة


واحد مننا S10200813194627

أجمل لحظات حياتى حين تسلمتها، إنها ورقة لطالما انتظرتها وانتظرها من يهتمون لأمرى، إنها شهادة التخرج، نظرت إليها بقلب يملؤه الأمل فى مستقبل مشرق ينتظرنى، فى غد أحقق فيه كل طموحاتى فى حياة
كريمة لأسرتى.

لم أكن يوما فاشلا فى دراستى، لكننى المتفوق الذى يتبارى دائما ليصبح فى المقدمة، إنه أنا ذلك المجتهد الذى يتمنى كل أب أن يرى ابنه مثلى، لم لا وأنا الأول دائما؟.. ولكن مهلا إننى الأول علميا فقط، ولكننى وحسب تصنيفات هذه الأيام لست الأول اجتماعيا، فأبى ليس برجل أعمال أو وزيرا وليس بصاحب ملايين، ولكنه إنسان بسيط ثروته فى الحياة صندوق صغير.. لا تفكر كثيرا فى الصندوق، فليس بداخله الذهب أو أوراق ملكيه لأحد المبانى، ولكنه صندوق به أدوات لإصلاح الأحذية.. فقد كان سببا فى رفض عملى كمعيد فى كليتى، التى تمنيت دائما العمل بها، إنه سبب عقيم أصبحنا نقيم الإنسان هكذا؟

ملأ قلبى اليأس فلن أستطع العودة وأخبر الجميع أن حلمهم الكبير قد تحطم، لكن ماذا أفعل؟ قررت أخيرا أن أكذب، إنها تلك الكذبة التى تمنيت تحقيقها.

نعم أمى.. نعم أبى لقد تحقق اليوم ما ترجون، كما تمنيت أبى لقد أصبحت معيدا أقولها والدموع تنساب على وجهى، دخلت غرفتى التى أصبحت سجنا يذكرنى بأيام أحاول نسيانها.. تلك كتبى.. هذه أقلامى لم أعد أتحمل.

استيقظت باكرا، ذهبت دون أن يرانى أحد، وقررت أن أبحث عن وظيفة، فالجميع ينتظر المعيد الذى يأتى بالمال، بحثت يوميا أخرج صباحا وأعود ليلا حتى وجدتها.. بائع فى محل صغير لم أكن بمفردى الذى تخرج، ولم يجد فرصته فيعمل معى المهندس والمعلم.. ظللت هكذا إلى أن قررت السفر بعيدا، إنها كما يسمونها هجرة عشوائية كنت أعلم جيدا مخاطرها، ولكن ليس لدى اختيار آخر.

جاءت تلك اللحظة التى أغادر فيها بلدى التى أظهرت لى كل معانى الجفاء، كان القارب صغيرا يعج بالكثير من الشباب، المشاكل تكاد تكون واحدة، والطموحات كبيرة، كل يتحدث عن امنياته.

ولكن ماذا ينتظرنا أهو مستقبل ملىء بالورود، أم أشواك ستقضى علينا لا يحاول كل منا أن يفكر فى احتمالية الفشل، وفجأة ظهر ضوء كبير وحركة غير عادية فى ذلك القارب، وصرخ المسئول عنه إنه علينا السباحة إلى أن نصل، اعترضنا ولكن خوفنا من الرجوع للوراء والعودة لحياتنا القديمة دفعنا للنزول والسباحة، الاختيار الصعب بين موتى وفشلى، لا أعلم ماذا حدث، إلا أننى استيقظت لأجد نفسى مقيدا فى أحد السجون، مع الكثيرين ممن لم يجدوا حضنا دافئا فى بلادهم، إننى الآن بلا وطن، بلا هوية، بلا أمل.

بعد شهور تذكرتنى بلدى وطلبت تسليمى، ربما لم تشعر أننى أعانى إلا فى هذه اللحظة، عدت من جديد إلى بلدى إلى عملى، رضيت بهذه الحياة
لم أعد ذلك الشاب الطموح لقد تلاشت كل طموحاتى.

صرت أجهل فى أى يوم نحن، أو فى أى زمن نعيش، كل ما يشغلنى هو أن أعود، فى آخر اليوم وقد جلبت الطعام والدواء.

هذه هى حياتى الآن